إخوان الصفاء

288

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

لينهوا إلى الملك أمر أغنامه ، وحضر معهم الراعي وهو لابس لذلك الخاتم ، فبينا هو جالس مع سائر الرعاة إذ عرض له أن ضرب بيده إلى خاتمه ، فأداره في إصبعه حتى صار فصّه إلى داخل مما يلي راحته ، فلما فعل ذلك خفي عن الجلوس الذين كانوا معه حتى لم يتبينوا أنه جالس ولم يبصروه ، وجعلوا يتكلمون في أمره مما يدل على أنه قد انصرف عنهم ، وكان هو يتعجب من ذلك الكلام . ثم إنه ضرب بيده إلى خاتمه فأدار فصّه إلى خارج ، فلما أداره صار القوم يرونه . فلما فهم ذلك ضرب خاتمه ليرى هل فيه هذه القوة ، فوجده يعرض منه ذلك الأمر بعينه أنه متى أدار فصّه إلى داخل استتر واحتجب عن البصر ، ومتى أداره إلى خارج ظهر وأبصره الناس . فعند ذلك لما اختبر بهذا من أمره في خاتمه ، تلطف واحتال أن يصير في عدد الرّسل إلى الملك ، فلما وصل إليه قتله وصار معه الآن . تأمّل هل ترى أن أفلاطون الفيلسوف ، مع فضله وعقله ، كتب هذه الآية في كتاب من كتبه وهو الذي صنّفه في السياسة ، وهو مع هذا يجوز أن يعتقد ويظن أنه يرى أن هذا الطّلّسم على الخاتم الذي تقدم ذكره قد عمل للحكمة التي بعدها غاية ، حتى صار في قوة الفعل إلى الحد الذي ظهر منه في العمل الذي يعمل به ، وإنما السبب الذي يدعو هؤلاء الأحداث إلى التكذيب والإنكار لمثل هذا هو ما فيهم من الكسل وقلة الرغبة في التعلّم والأنفة وقلة الحياء ! يحمل هؤلاء على ما يفعلونه من الجحود لهذه العلوم وتكذيب من قال بصحتها ، لأنهم يجدون هذا أسهل عليهم وأخف مؤنة . وإياك أيها الأخ أن تسلك سبيلهم وتحتذي مثالهم ، أو تشاركهم ، أو تتشبه بهم ، بل يكون الطلب أبدا فكرك ، وإصابة الحق غرضك ، وفي اقتناء الحكمة ودركها شهوتك ، لتسعد بذلك وتفوز مع السعداء والشهداء . ثم قد حكى ابن معشر جعفر بن محمد المنجّم قال في كتاب مذاكرته